ابن حزم
137
رسائل ابن حزم الأندلسي
بسرعة شاهد المنع ، وترعيد الحدقتين من وسط العينين نهي عام ، وسائر ذلك لا يدرك إلا بالمشاهدة . واعلم أن العين تنوب عن الرسل ، ويدرك بها المراد ، والحواس الأربع أبواب إلى القلب ومنافذ نحو النفس ، والعين أبلغها وأصحها دلالة وأوعارها ( 1 ) عملاً . وهي رائد النفس الصادق ، ودليلها الهادي ، ومرآتها المجلوة التي بها تقف على الحقائق وتميز الصفات وتفهم المحسوسات . وقد قيل : ليس المخبر كالمعاين ، وقد ذكر ذلك افليمون ( 2 ) صاحب الفراسة وجعلها معتمدة في الحكم . وبحسبك من قوة إدراك العين أنها إذا لاقى شعاعها شيئاً ما ( 3 ) مجلواً صافياً ، إما حديداً مصقولاً ( 4 ) أو زجاجاً أو ماء أو بعض الحجارة الصافية أو سائر الأشياء المجلوة البراقة ذوات الرفيف والبصيص واللمعان يتصل أقصى حدوده بجسم كثيف ساتر مناع كدر ، انعكس شعاعها فأدرك الناظر نفسه ومازها عياناً . وهو الذي ترى في المرآة ، فأنت حينئذ كالناظر إليك بعين غيرك . ودليل عيان على هذا انك تأخذ مرآتين كبيرتين فتمسك إحداهما بيمينك خلف رأسك والثانية بيسارك قبالة وجهك ثم تزويها قليلاً حتى يلتقيا بالمقابلة ، فإنك ترى قفاك وكل ما وراءك ، وذلك لانعكاس ضوء العين إلى ضوء المرآة التي خلفك ، إذ لم تجد منفذاً في التي بين يديك ، ولما لم يجد وراء
--> ( 1 ) برشيه : وأوفاها . ( 2 ) افليمون ( Philemon ) صاحب الفراسة ، انظر في امتحان قدرته على الفراسة ابن أبي أصيبعة 1 : 27 ، وذكره صاحب صوان الحكمة وأورد له قوله في العشق : هو مرض يحدث في الروح جالبه النظر ومسكنه القلب ومهيجه الفكر ( صوان : 245 ) وقال القفطي : فاضل كبير عالم في فن من فنون الطبيعة وكان معاصراً لبقراط وأظنه شامي الدار ، كان خبيراً بالفراسة عالماً بها وله في ذلك تصنيف مشهور خرج من اليونانية إلى العربية ( تاريخ الحكماء : 60 ) . ( 3 ) هذه هي قراءة برشيه ، وفي سائر القراءات : شعاعاً . ( 4 ) في بعض الطبعات : مفصولاً .